السيد الطباطبائي
215
الإنسان والعقيدة
هذا كلّه بالنسبة إلى ما قبل هذه النشأة المادّيّة ، وأمّا بالنسبة إلى ما بعدها ، فالكلام فيه نظير الكلام ، غير أنّ نشأة المثال في العود قبل نشأة العقل بالنسبة إلينا بخلاف البدو ، فإنّها بعدها فيه . نعم ، بين البدء والعود فرق آخر ، وهو أنّ مادّة الصور المثاليّة هي النفس ، وهي التي توجد لها تلك الصور بإذن ربّها ، وحيث إنّها متوقّفة حينا ما في نشأة المادّة ومتعلّقة بها ، وهي عالم الوهم والاعتبار ، فهي فيها تأخذ ملكات وأحوالا ، ربّما لائمت نشأتها السابقة ، وربّما لم تلائمها ، فإنّ هذه النشأة شاغلة حاجبة عمّا ورائها ، فربّما استقرّت الملكات على ما هي عليه من الحجب ، وذلك بالإخلاد إلى الأرض ، والغفلة عن الحقّ ، وربّما استقرّت على غير هذا الوجه بالانصراف عن زخارف هذه النشأة ، والإعراض عن عرض هذا الأدنى ، وقصر التعلّق بها على ما تقتضيه ضرورة التعلّق بالمادّة ، وصرف الوجه إلى ما ورائها والأنس بها . فهذه النفس بعد الانقطاع عن المادّة ، تشرف على الصور الملائمة لذاتها من عالم الأنوار المثاليّة والروحيّة . وقد كانت ما تستأنس بها من قبل في الأيّام الخالية ، فتطلع على روح وريحان وجنّة نعيم ، وتتضاعف صورها الكماليّة ولذائذها الروحيّة بالنسبة إلى مثال النزول والبدو . وكذا عالم التجرّد التامّ بالضرورة من جهة ازدياد معلوماتها في نشأة المادة ، فتشاهد أنوارا وأسرار ، وملائكة مثالية وأرواحا صوريّة برزخيّة ، وجميع أنواع لذائذها التي شاهدها ، وهي متعلّقة بالمادّة في نشأتها من مطعوم ومشروب وملبوس ومنكوح ومسموع ومبصر وغيرها على أهنى ما يكون . كلّ ذلك على طريق تمثيل ما فوقها في ظرفها على نسق ما في مراتب النزول . هذا ، وليس معها ألم مادي ولا وهمي ، ولا يمسّها نصب ولا لغوب ، وهذا كلّه حين كونها في عالم المثال .